الشيخ محمد رشيد رضا

442

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

مثال ذلك في العقائد أن البشر قد فتنوا بالشرك ، وليس على أكثرهم الامر ففرقوا بين توحيد الربوبية وتوحيد الإلهية . إذ ظنوا أن الايمان بوحدة الرب خالق الخلق ومدبر أموره هو الواجب له الممتنع أن يكون له شريك فيه . دون توحيد الإلهية وهو عبادته وحده . وأنه لا يضر التوجه إلى غيره من المبين عنده المبين من يتوسل بهم اليه كما يتوجه اليه بالدعاء ، وطلب ما يعجز المرء عن نيله من طريق الأسباب ، وهذا مخ العبادة ومحضها ، وكل من يدعى مثل هذا الدعاء فقد اتخذ معبودا وإلها . وشبهتهم في القديم والحديث أن اتخاذ ولي مع اللّه بقصد التب والتوسل به اليه وشفاعته عنده مما يرضيه . وأن المحظور هو الاستغناء به عنه ، مأخذ هذا ما يعهدون من الملوك الظالمين الذين يتب إليهم الرعايا الضعفاء المستذلون بوزرائهم ، ويتوسلون إليهم بحواشيهم وحجابهم . فلأجل هذه الشبهات ر الآن إبطال هذا الشرك وأطنب في تفصيله كل الاطناب ومثاله في العبادات العملية أن صفة الصلاة وعدد ركعاتها مما يكفي فيه القدوة والتأسي بالرسول الموكول اليه بيان التنزيل فلهذا لم يبينها الآن على الوجه الذي تؤدى به . ولكنه كرر الامر بإقامتها أي الاتيان بها على أقوم وجه واكمله وبين حكمتها وفائدتها في عدة آيات . لان معنى الإقامة لها والحكمة في وجوبها مما يغفل عنه أكثر الناس . ومثاله في العلم الذي هو أساس الايمان الصحيح والارتقاء في الدين والدنيا ان أكثر البشر كانوا قد الفوا فيه التقليد والاخذ بأقوال من يثقون بهم من آبائهم ورؤساء دينهم ودنياهم . فلهذا كرر القول ببطلان التقليد وضلال المقلدين ، وجهل الظانين والمرتابين ، وكرر الحث على النظر والاستدلال والاعتماد على البرهان ، والتشنيع على المعرضين عن آيات السماوات والأرض وما فيها من جماد ونبات وحيوان ، وعن حكمه الخاصة في خلق الانسان . فبمثل هذا التفصيل كان الاسلام دين العلم والعقل وكان الآن ينبوع الهدى والحكمة والرحمة ، فيا حسرة على المحرومين من رحمته ، ويا شقاء الطاعنين في هدايته * * * ( هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ ) أي ليس أمامهم شيء ينتظرونه في امره إلا وقوع تأويله . وهو ما يؤول إليه ما أخبر به من أمر الغيب الذي يقع في المستقبل في الدنيا ثم في الآخرة . فالنظر هنا بمعنى الانتظار . وتأويل الكلام كتأويل